المتأنق
رائـــــــــــع!! ......
هكذا نطقها بحماسة كبيرة محدثًا نفسه وهو يلقى بنظرةٍ أخرى نحو صورته المنعكسة في المرآة مُبْدِياً رضائه التام عما يراه منعكساً أمامه وقد بدا في هيئته تلك كعادته دائماً ..وسيم ومهندم إلى حدٍ كبير وخاصة في تلك الليلة الهادئة!! ......
متأنق كان هو بلا شكٍ في ذلك وقد بدا كعادته في أبهي صورةٍ مرتدياً تلك الحُلة السوداء المحترمة ذات الطابع الكلاسيكي الأنيق وقد زينتها رابطة عنق داكنةمحكمة العقدة قد أحسن اختيارها لتلائم لون حلته ...
وعلى الرغم من أن مقصده في تلك الليلة لم يكن سوى الذهاب إلى مأتم !!
إلا أنه وبحكم طبيعته تلك فقد تعود على التأنق الدائم في شتى المناسبات أي كان نوعها ومهما كانت أوقاتها ولم يكن اهتمامه هذا ليثنيه يوما عن إحدى سماته الأخرى ألا وهي ذلك الاهتمام الزائد بأدق التفاصيل حتى وإن كانت صغيرة في كل ما يفعله
لذلك فبمجرد انتهائه من ارتداء كامل ثيابه , عدل من وضع رابطة عنقه مرة أخرى ثم بدء في تصفيف شعره ووضع "الفازلين" عليه ثم مرر يديه على خصلات شعره المنمق بسرعةٍ ودقة كي يتأكد من التصاق منابت شعره الناعم بجبهته وملاصقة خصلاته بعضها لبعضٍ تماماً بدون ادنى فراغ ...ولم تلبث أنامله بأن تحركت سريعاً نحو حاجبيه تتحسسهما ومن ثم تمر على خلايا وجهه بالكامل و كأنها تراجع تفاصيل ملامحها.. كل ذلك قبل أن يبتسم ابتسامة ثقة واسعة لم يكن الغرض الوحيد منها فقط إبداء أعجابه بنفسه وجميل هندامه وتنسيقه بل أيضا للتأكد من أن نصاعة البياض الماثل فوق أسنانه المتناسقة تومض بالشكل الذي يجب أن تكون عليه....
اكمل أغلاق أزرار بدلته بعدما ألقى نظرة فاحصة على حذاءه اللامع ليتأكد من أن وميض بريقه اصبح في مثل صفاء المرآة و قبل أن يستعد للخروج القى ولمرة أخيرة تلك النظرة المعتادة ثم قال محدثاً نفسه : الأن أصبح كل شيءٍ تماماً كما يجب أن يكون ..... البدلة ...ورابطة العنق حاجة عظيمة......... والقميص أبيض زي الفل................ والحذاء أصبح مثل المرايا........ يا سلام. كل شيءٍ اصبح الآن تمام التمام.
خطا "عويس" بيه خطوات واسعة في نهر الشارع بعدما قرر أن يقطع تلك المسافة الصغيرة نحو مقصده سيراً على الأقدام .. فالعزاء بالصدفة يقع في منطقة قريبة من منزله و لا تبعد اكثر من دقائق قليلة.
و"عويس بيه" كما يطلق عليه جيرانه في حيه الذي يقطنُ فيه يعرفونه كرجل وحيد. ...
أو لعله أعتاد بأن يكون كذلك ...
فرغم كل تلك السنوات التي قضاها بينهم في تلك المنطقة الشعبية...فقد ظلت تفاصيل حياته مجهولة بالكامل بالنسبة إليهم , يحيا غريباً عنهم وهو يعيش بينهم فلا يكاد يختلط أبداً بأحدٍ من جيرانه في المنزل أو في الشارع ...
ولا حدث في يوم] بأن خالطه أحد منهم ...
ولأن البشر و بطبيعتهم مخلوقات نافرة .. خائفون دائماً مما قد يجهلونه , فارين مبتعدين عما يخافون منه ولأنهم يجهلون في الواقع طبيعة عمله ويتخوفون من سبب حياته منفرداً. فقد صار بالنسبة إليهم دائماً كمصدر رهبةٍ وخوفٍ ومهابة
ولأن لا أحد منهم قط - وبالرغم من تخطيه الأربعين بسنوات -قد رأى يوماً أو سمع عن أخ له قد ظهر , أو أبناء أو زوجة أو أهل فكان من المنطقي والطبيعي أن تحيط به دوائر الشائعات ويتناثر من حوله رزاز الأقاويل في ذلك الحي أينما ذهب ...
ففي حين يتحدث البعض بأنه يعمل بأحد تلك الأجهزة السيادية السرية في الدولة , يقول البعض الأخر بأنه في الحقيقة وبالتأكيد ليس إلا أبن لأحد هؤلاء الباشوات السابقين الذين قد خسروا ثرواتهم في الماضي بينما يتداول أخرون أخبارا محتواها بأنه سياسي قديم وأخرون يدعون بأنهم متأكدون بأنه أحد الهاربين من القتل بالثأر في بلدته البعيدة ....
ورغم كل تلك الشائعات لم يستطع أحد منهم بأن يتكهن يوماً و على وجه اليقين بحقيقته أو بماهية عملهِ. والعجيب في الأمر أن أحدا منهم أيضا لم يكلف نفسه يوماً بعناء سؤاله بشكل مباشر أو حتى بالسؤال عنه..
و"عويس" بيه الشيك " يحمل أسم "الشيك "هذا ليس كلقبٍ عائلي وإنما كصفة ملازمة له قد أكتسبها بتميز مظهره وتناسق هندامه وبروز أناقته فأضحت تلك الكلمة له لقباً وصارت هذه الصفة له اسماً يحيا به و يتداوله الناس فيما بينهم..
وبيد أن عويس لم يستوقفه أبداً أي من هذا ولا فكر للحظة بأن يدفع عن نفسه مما قد علق بها من أوحال الظنون أو أصابها من نيران التخمين و طلقات الشك..
وكلما مرت السنون صار عويس بأناقته وغموضه ..مضرب المثل بين أهالي الحي وازداد ولعهم به وتعلقهم بنمط تصرفه و طريقة حياته وصارت مراقبة تصرفاته وملابسه والحديث عن تفاصيل حياته هي الشغل الشاغل لأغلب أهالي ذلك الحي
أما عويس ذاته فقد استلذ الأمر أُلقي في نفسه ما أُلقى من العجب . وتعود عليه...وبذاك فقد مضت حياته بذات الوتيرة فكان كلما قابله احد أهالي الحي اسرع بامتداح أناقته وأطرى عليها أيما إطراء فيكون رد عويس ببساطة وثقه : بالشكر بداية ,ثم يستطرد بأن هذا هو المعتاد بالنسبة إليه ويستطرد بأنه كلما سار في مكان ما يستوقفه رجل ما لا يكاد يعرفه أو امرأة جميلة معتذرة بابتسامتها لكي تسأله عن سر أناقته وعن ذلك "المحل" الرائع أو "الترزي" المعجزة الذى يتعامل معه ثم يطرون على هندامه ويمتدحون أناقته التي ليس لها مثيل وأنه حتماً وبالتأكيد فلابد بأنه في الأصل فنان أو مصمم أزياء .
وهذه الكلمات القليلة هي التي دائما يكررها"عويس بيه" على مسامع الناس إذا ما صادف أن استوقفه أحد من الجيران في أثناء دخوله أو خروجه من المنزل...
أعتاد بأن يقولها بثقة وببساطة ثم ينصرف بسرعة دون أن يكمل حديثاً ...أو يشبع فضولاً..أو يجيب عن تلك الحيرة في كل أعين جيرانه الذين كانوا دائما ما يحاولون اتخاذ هذه الكلمات كمقدمة ومدخل لحديثٍ أخر لعله يقود لمعرفة أعمق …..
قطع "عويس" المسافة إلى المآتم في دقائق قليلة حتى لاحت له أضواء المآتم وقد نُصب "الصوان" وخط عليه بخطٍ كبير واضح "فراشة الحاج "زينهم الهايص" وقد صُف أهل المتوفي على كلا الجانبين لتلقي العزاء في فقيدهم .
أسرع "عويس" الخطى مقترباً من أهل الفقيد ثم سلم عليهم معزياً إياهم بسرعة ودخل تجاه الصوان الذي قد امتلئ عن بكرة أبيه بالمعزيين ثم مر مخترقاً صفوف مقاعد المعزيين حتى وصل لنهاية الصوان وبدلاً من أن يتخذ مقعداً له بجوار أحدهم أنحرف تجاه فتحة صغيرة في أخر الصوان فاصطدمت عيناه برجل عجوز تبدو عليه مظاهر الشقاء والبؤس وقد بدا في حالة رثة وهو يغالب نومه وتعبه وقد أراح جسده المنهك على مقعده الصغير و أمامه استقامت "نصبة " من القهوة السادة والماء ولم يكد الرجل يراه حتى بادره : لماذا تأخرت يا "عويس" الزفت أنت ؟؟ هيا أسرع ......
وقبل أن ينطق "عويس" بحرفٍ أو ينبس ببنت شفة وكزه الرجل وهو يدفع إليه بصينية كبيرة قد صفت عليها أكواب الماء والقهوة السادة فحمل "عويس" الصينية ودخل الصوان مرة أخرى ليمارس عمله المعتاد في توزيع القهوة السادة......








0 التعليقات:
إرسال تعليق